ابن رشد

147

تهافت التهافت

قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : قلنا : قول القائل يبعد هذا رجم ظن ، لا يحكم به في المعقولات إلا أن يقول أنه يستحيل ، فنقول : لم يستحيل وما المراد والفيصل ، فمهما جاوزنا الواحد واعتقدنا أنه يجوز أن يلزم المعلول الأول لا من جهة العلة لازم واحد واثنان وثلاثة فما المحيل لأربعة وخمسة وهكذا إلى ألف وإلا فمن يتحكم بمقدار دون مقدار فليس بعد مجاوزة الواحد مرد وهذا أيضا قاطع . قلت : لو جاوب ابن سينا وسائر الفلاسفة أن المعلول الأول فيه كثرة ولا بد ، وأن كل كثرة إنما يكون منها واحد بوحدانية اقتضت أن ترجع الكثرة إلى الواحد ، وإن تلك الوحدانية التي صارت بها الكثرة واحدا هي معنى بسيط صدرت عن واحد مفرد بسيط لاستراحوا من هذه اللوازم التي ألزمهم أبو حامد وخرجوا من هذه الشناعات . فأبو حامد لما ظفر هاهنا بوضع فاسد منسوب إلى الفلاسفة ولم يجد مجيبا يجاوبه بجواب صحيح سر بذلك وكثر المحالات اللازمة لهم ، وكل مجر بالخلاء يسر ، ولو علم أنه لا يرد به على الفلاسفة لما فرح به . وأصل فساد هذا الوضع قولهم : إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، ثم وضعوا في ذلك الواحد الصادر كثرة ، فلزمهم أن تكون تلك الكثرة عن غير علة ، ووضعهم تلك الكثرة محدودة تحتاج إلى إدخال مبدأ ثالث ورابع لوجود الموجودات شيء وضعي لا يضطر إليه برهان ، وبالجملة هذا الوضع غير وضع مبدأ أول وثان ، وذلك أنه يقال : لم اختصت العلة الثانية أن يوجد فيها كثرة من دون العلة الأولى ، فهذا كله هذيان وخرافات ، وأصل هذا أنهم لم يفهموا كيف يكون الواحد علة على مذهب أرسطوطاليس ، ومذهب من تبعه من المشائين ، وقد تمدح هو في آخر مقالة اللام بهذا المعنى وأخبر أن كل من كان قبله من القدماء لم يقدروا أن يقولوا في ذلك شيئا . وعلى هذا الوجه الذي حكيناه عنهم تكون القضية القائلة أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد قضية صادقة ، وأن الواحد يصدر عنه كثرة قضية صادقة أيضا . قال أبو حامد : ثم نقول : هذا باطل بالمعلول الثاني ، فإنه صدر منه فلك الكواكب وفيه ألف ونيف ومائتا كوكب ، وهي مختلفة العظم والشكل والوضع والوضع واللون والتأثير والنحوس والسعود ، فبعضها على صورة الحمل والثور والأسد وبعضها على صورة الإنسان ويختلف تأثيرها في محل واحد من العالم السفلي في التبريد والتسخين والسعادة والنحوس وتختلف مقاديرها في ذاتها . فلا يمكن أن يقال الكل نوع واحد مع هذا الاختلاف ولو جاز